أحمد بن محمد القسطلاني

64

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

مأمور بها في ابتداء كل قراءة . وقوله : ربك الذي خلق ، وصف مناسب مُشعِر بعلية الحكم بالقراءة . والإطلاق في قوله خلق أوّلاً على منوال يعطي ويمنع ، وجعله توطئة لقوله : ( { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } ) الزائد في الكرم على كل كريم ، وفيه دليل للجمهور أنه أوّل ما نزل . وروى الحافظ أبو عمرو الداني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أوّل شيء نزل من القرآن خمس آيات إلى { مَا لَمْ يَعْلَمْ } . وفي المرشد أوّل ما نزل من القرآن هذه السورة في نمط ، فلما بلغ جبريل هذا الموضع { مَا لَمْ يَعْلَمْ } طوى النمط ، ومن ثم قال القرّاء : إنه وقف تام . وقال : من علق ، فجمع ولم يقل من علقة ، لأن الإنسان في معنى الجمع . وخص الإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لشرفه . ( فرجع بها ) أي بالآيات ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) إلى أهله حال كونه ( يرجف ) بضم الجيم يخفق ويضطرب ، ( فؤاده ) قلبه أو باطنه أو غشاؤه لما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمأَلوف ، فنفر طبعه البشري وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة لأن النبوّة لا تزيك طباع البشرية كلها ( فدخل ) عليه الصلاة والسلام ( على خديجة بنت خويلد ) أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) التي ألف تأنيسها له ، فأعلمها بما وقع له ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( زمّلوني زمّلوني ) بكسر الميم مع التكرار مرتين ، من التزميل وهو التلفيف . وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف ، ( فزملوه ) بفتح الميم ( حتى ذهب عنه الروع ) بفتح الراء أي الفزع ، ( فقال ) عليه الصلاة والسلام ( لخديجة ) رضي الله عنها ( وأخبرها الخبر ) جملة حالية ( لقد ) أي والله لقد ( خشيت على نفسي ) الموت من شدة الرعب ، أو المرض ، كما جزم به في بهجة النفوس أو أني لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته أوّلاً عند لقاء الملك ، وليس معناه الشك في أن ما أتى من الله وأكد باللاء وقد تنبيهًا على تمكن الخشية من قلبه المقدس وخوفه على نفسه الشريفة . ( فقالت ) له عليه الصلاة والسلام ( خديجة ) رضي الله عنها ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قالت بإسقاط الفاء ( كلا ) نفي وإبعاد ، أي لا تقل ذلك أو لا خوف عليك ، ( والله ما يخزيك الله أبدًا ) بضم المثناة التحتية وبالخاء المعجمة الساكنة والزاي المكسورة وبالمثناة التحتية الساكنة من الخزي ، أي ما يفضحك الله . ولأبي ذر عن الكشميهني ما يحزنك الله بفتح أوّله وبالحاء المهملة الساكنة والزاي المضمومة أو بضم أوّله مع كسر الزاي وبالنون من الحزن ، يقال حزنه وأحزنه . ( إنك ) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء ، قال العلاّمة البدر الدماميني : وفصلت هذه الجملة عن الأولى لكونها جوابًا عن سؤال اقتضته ، وهو سؤال عن سبب خاص ، فحسن التأكيد . وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك لسبب عظيم ، فيقدر السؤال عن خصوصه حتى كأنه قيل : هل سبب ذلك هو الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف كما يشير إليه كلامك ، قالت : إنك ( لتصل الرحم ) أي القرابة ، ( وتحمل الكل ) بفتح الكاف وتشديد اللام ، وهو الذي لا يستقل بأمره ، أو الثقل بكسر المثلثة وإسكان القاف ، ( وتكسب المعدوم ) بفتح المثناة الفوقية ، أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك . وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد نحو كسبت المال ، وإلى اثنين نحو كسبت غيري المال وهذا منه . ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني وتكسب بضم أوّله من أكسب ، أي تكسب غيرك المال المعدوم أي تتبرع به له ، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، أو تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق ، أو تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم . والرواية الأولى أصح كما قاله عياض ، والرواية الثانية قال الخطابي : الصواب العدم بلا واو أي الفقير ، لأن المعدوم لا يكسب . وأجيب بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له ، وفي تهذيب الأزهري عن ابن الأعرابي رجل عديم لا عقل له ، ومعدوم لا مال له ، قال في المصابيح : " كأنهم نزلوا وجود من لا مال له